الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

107

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

افرادا لم يصلح لذلك ، لأن الماشي ينقل قوائمه يعتمد على بعض ، فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على واحدة ، وذو الأربع ينقل اثنتين ويعتمد على اثنتين . وذلك من خلاف ، لأن ذا الأربع لو كان ينقل قائمتين من أحد جانبيه ويعتمد على قائمتين من الجانب الآخر لم يثبت على الأرض ، فصار ينقل اليمنى من مقاديمه مع اليسرى من مآخيره وينقل الأخيرتين أيضا من خلاف فيثبت على الأرض ولا يسقط إذا مشى . أما ترى الحمار كيف يذلّ للطحن والحمولة وهو يرى الفرس مودعا منعما ، والبعير لا يطيقه عدّة رجال لو استعصى ، كيف كان ينقاد للصبي والثور الشديد كيف كان يذعن لصاحبه حتى يضع النير على عنقه ويحرث به والفرس الكريم يركب السيوف والأسنة بالمواتاة لفارسه ، ولقطيع من الغنم يرعاه واحد ولو تفرّقت الغنم فأخذ كلّ واحد منها في ناحية لم يلحقها ، وكذلك جميع الأصناف المسخّرة للإنسان ، فبم كانت كذلك إلّا أنّها عدمت العقل والرويّة فإنّها لو كانت تعقل وتتروى في الأمور كانت خليقة أن تلتوي على الإنسان في كثير من مآربه ، حتى يمتنع الجمل على قائدة ، والثور على صاحبه ، وتتفرّق الغنم عن راعيها وأشباه هذا من الأمور . وكذلك هذه السباع لو كانت ذات عقل وروية فتوازرت على الناس كانت خليقة أن تجتاحهم ، فمن كان يقوم للأسد والذئاب والنمور والدببة لو تعاونت وتظاهرت على الناس أفلا ترى كيف حجر ذلك عليها وصارت مكان ما كان يخاف من أقدامها ونكايتها تهاب مساكن الناس وتحجم عنها ، ثم لا تظهر ولا تنتشر لطلب قوتها إلّا بالليل ، فهي مع صولتها كالخائف من الإنس بل مقموعة ممنوعة منهم ، ولو كان غير ذلك لساورتهم في مساكنهم وضيّقت عليهم . ثم جعل في الكلب من بين هذه السباع عطف على مالكه ومحاماة عنه وحافظ له ، ينتقل على الحيطان والسطوح في ظلمة الليل لحراسة منزل